الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

245

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وخلاصة القول أن إبراهيم ( عليه السلام ) وأصحابه كانوا من أشد المخالفين والمحاربين للشرك ، ولابد لنا من الاقتداء بهم وأخذ الدروس والعبر من سيرتهم ، بما في ذلك ما يتعلق بموقفه من " آزر " إذا توفرت لنا نفس الشروط والخصوصيات . . ( 1 ) . وبما أن محاربة أعداء الله ، والصرامة والشدة معهم - خصوصا مع تمتعهم بقدرة ظاهرية - سوف لن تكون فاعلة إلا بالتوكل على الله تبارك وتعالى ، يضيف سبحانه في نهاية الآية : ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير . ونلاحظ ثلاثة أمور في هذه العبارة : الأمر الأول : هو التوكل ، الثاني هو : التوبة والإنابة ، الثالث : التأكيد على حقيقة الرجوع النهائي في كل شئ إليه سبحانه ، حيث أن كل أمر من هذه الأمور يكون علة وبنفس الوقت معلولا للآخر ، فالإيمان بالمعاد والرجوع النهائي إليه سبحانه يوجب التوبة ، والتوبة تحيي روح التوكل في النفس الإنسانية ( 2 ) . وفي الآية اللاحقة يشير القرآن الكريم إلى طلب آخر مهم وحساس لإبراهيم ( عليه السلام ) وأصحابه في هذا المجال ، حيث يقول تعالى : ربنا ولا تجعلنا فتنة للذين كفروا . من المحتمل أن يكون ما ورد في الآية إشارة إلى عمل " حاطب بن أبي بلتعة " واحتمال صدور شبيهه من أشخاص جهلة يكونون سببا في تقوية الظالمين ، من حيث لا يشعرون ، بل يتصورون أنهم يعملون لمصلحة الإسلام ، أو إن المراد في الحقيقة دعاء بأنه لا تجعلنا نقع في قبضة الكافرين فيقولوا : أن هؤلاء لو كانوا على الحق ما غلبوا ، ويؤدي هذا التوهم إلى ضلالهم أكثر .

--> 1 - يتضح لنا مما تقدم أن الاستثناء هنا متصل ، والمستثنى منه جملة محذوفة يدل عليها صدر الآية ، وتقديرها : إن إبراهيم وقومه تبرأوا منهم ، ولم يكن لهم قول يدل على المحبة إلا قول إبراهيم ، وطبقا للتفسير الثاني فإن الاستثناء سوف يكون منقطعا ، وهذا بحد ذاته إشكال آخر عليه . 2 - يتضح مما قلناه أن هذه الجملة هي كلام إبراهيم ( عليه السلام ) وأصحابه ، بالرغم من أن بعض المفسرين احتمل كونها جملة مستقلة ونزلت بعنوان إرشاد للمسلمين ضمن هذه الآيات ، وهو احتمال بعيد .